الحيض وقضاء الصوم: تصوّر الإنسان عند الفقهاء المسلمين
TL;DR
ينطلق النصُّ من سؤالٍ ورد على إنستغرام عن الحيض والصوم وقضائه، ويبيّن مدى شدّة تشابك تجارب الجسد والشعور بالواجب والشعور بالذنب في «الإسلام». ويتتبّع كيف جُعلت الشعائرُ التعبّدية تاريخيًّا «أصولًا» لا يكاد يجوز التشكيكُ النقدي فيها. وفي أثناء ذلك تتكشّف عمليات السلطة، ودورُ الدول المبكرة، وتضييقُ الهوامش القرآنية، وذلك من خلال مثال الصوم. وفي ضوء واقع الحياة الحديث والأعباء النفسية وتبدّل عوالم العمل، يُطرَح السؤالُ من جديد: ما الذي يعنيه أصلًا «عدمُ القدرة» على الصوم. ويدعو النصُّ إلى لاهوتٍ يأخذ الشعائر على محمل الجِدّ، لكنه يأخذ في الوقت نفسه في الحسبان هشاشةَ البشر والتطوّراتِ التاريخية. وفي الختام يقف السؤالُ المركزي: مَن إلهك، وأيُّ تصوّرٍ عن الله يطبَع تعاملَك مع الصوم والحيض والشعور بالواجب؟
الحيض والصوم والسؤال عن الأصول
نقطةُ الانطلاق سؤالٌ محدّدٌ طُرِح عليّ على إنستغرام: «لا أتدبّر أمرَ قضاء الصوم جيّدًا. فلم أقضِ الأيام متتابعةً. فما الأقوال في ذلك؟ وهل يجوز لي أن أصوم في رمضان أثناء الدورة الشهرية لأوفّر على نفسي القضاء؟» في هذه الصياغة التي تبدو عمليةً يكمن أكثرُ بكثيرٍ من مجرّد حكمٍ تفصيلي. فالأمرُ يتعلّق بالعلاقة بين الجسد والشعيرة، وبالطريقة التي يفكّر بها الفقهاء المسلمون منذ قرونٍ في هذه الموضوعات.
ومن السؤال نفسِه ترى كم تُربَط تجاربُ الجسد ربطًا وثيقًا بمشاعر الذنب والوعي بالواجب. فالحيضُ لا يُعاش بوصفه حالةً جسديةً فحسب، بل بوصفه أيضًا خللًا في منظومةٍ من الشعائر مُفكَّرٍ فيها تفكيرًا فقهيًّا قويًّا. وكثيراتٌ ممّن يَمررن بذلك يحملن شعورًا بأنّهنّ مقصِّراتٌ تجاه الله، أو تجاه القواعد، أو تجاه «الجماعة».
وحين يسأل المرءُ هنا عن الأقوال الفقهية، لا يكاد يجد متّسعًا. فبحسب جميع المذاهب الفقهية التقليدية الكبرى لا يجوز للحائض أن تصوم في رمضان. والحائضُ بحسب هذه الأقوال مُعفاةٌ من الصوم في رمضان، لكن عليها القضاء. ومن صامت رغم ذلك تهرّبًا من القضاء، فقد أخطأت بحسب هذه الأقوال، ولا يصحّ صومُها. والحكمُ مصوغٌ بوضوحٍ بحيث لا تكاد ترد فيه التجاربُ الفردية أو الإنهاكُ أو العبءُ النفسي.
وإلى جانب ذلك توجد تياراتٌ قرآنيةٌ معاصرة. والمقصود بها أناسٌ لا يقبلون إلّا القرآن مصدرًا للأحكام، ويرفضون المصادر الأخرى من حيث المبدأ. وهؤلاء يبيحون الصلاةَ والصومَ أثناء الدورة الشهرية، لأنّهم لا يجدون في القرآن نهيًا صريحًا عن ذلك. ولستُ شخصيًّا مقتنعًا كثيرًا بمناهجهم.
ولا يَعنيني أن أستبدل بقولٍ تقليديٍّ منظورًا قرآنيًّا وحسب. فمن قصور النظر أن نبحث فقط عن القول «الصحيح» ثمّ نطمئنّ ونسكت. وإنّما تغدو المسألةُ مثيرةً حين نُظهِر الأسئلةَ الأعمق التي تقف وراء هذه الأقوال: كيف تنشأ الواجباتُ أصلًا، وكيف تُعلَّل، ولماذا تُعامَل قواعدُ بعينها لاحقًا بوصفها «أصولًا»، مع أنّها نمت نموًّا تاريخيًّا.
وهنا بالذات تكمن نقطةٌ موجِعةٌ في اللاهوت الإسلامي: فثمّة سؤالٌ جوهريٌّ بالكاد يُطرَح، لأنّ كثيرين يخافون التشكيكَ في «أصولٍ» مزعومة. غير أنّ المرء إذا نظر نظرةً تاريخيةً أدقّ، تبيّن له أنّ هذه الأصول نفسَها مبنيّةٌ مصنوعة. فهي لم تتشكّل في خطوةٍ واحدةٍ واضحة، بل شيئًا فشيئًا. وبعضُها أحدثُ بكثيرٍ مما توحي به الصورةُ الذاتية التقيّة.
كيف صارت الممارسةُ أصولًا في الظاهر
كثيرٌ من الأصول التي تُعَدّ اليوم غيرَ قابلةٍ للمساس لم تترسّخ فعلًا إلّا بين القرنين الثالث والرابع للهجرة1، أي بعد النبيّ بنحو 300 سنة. وقبل ذلك كانت موضعَ نقاشاتٍ حادّة. فبعضُ الأفكار رسخ مبكّرًا، بُعَيد وفاته، وبعضُها احتاج وقتًا طويلًا جدًّا حتى صار يُحَسّ بوصفه «بديهيًّا».
وهي تبدو اليوم كأنّها كانت موجودةً منذ البداية. وفي كثيرٍ من الخطب والكتب التعليمية ينشأ انطباعٌ بأنّه كان هناك تعليمٌ واضحٌ موحَّد، حاد عنه بعضُهم لاحقًا. وهذا غيرُ صحيحٍ تاريخيًّا. فقد كان هناك منذ البداية تعدّدٌ في الأقوال، ولم تُقدَّم تأويلاتٌ بعينها بوصفها الخطَّ «الأصيل» إلّا بأثرٍ رجعي. وحين نتحدّث عن الحيض والصوم وقضائه، فإنّنا نلامس هذا التاريخَ الطويل بالذات من السجالات ومسائل السلطة.
ومن «الأصول» المزعومة الشعائرُ التعبّدية. والمقصود بها أعمالٌ كالصلاة والصوم والحجّ والطهارة، تُفهَم بوصفها صورةً مباشرةً لعبادة الله. وفي سياق منهجة الأحكام، صاغ العلماءُ المسلمون ابتداءً من القرن الثالث للهجرة عقيدةً جازمة. والعقيدةُ الجازمة قولٌ إيمانيٌّ ثابتٌ لا يجوز التشكيكُ فيه بعدُ.
ومضمونُ هذه العقيدة الجازمة: أنّ الشعائر التعبّدية يجب أن تكون مقرَّرةً محدَّدةً مباشرةً من الله أو من النبيّ. وما لا يمكن ردُّه بوضوحٍ إلى وحيٍ إلهيٍّ أو ممارسةٍ نبوية يُعَدّ إشكاليًّا أو موضعَ ريبة. ولذلك يُفترَض أن يستند كلُّ قولٍ عن الأعمال الشعائرية إلى إشارةٍ نصّيةٍ أو إلى ممارسةٍ للجماعة المبكرة. ويُزعَم: أنّ ها هنا أثرًا واضحًا يعود إلى الله أو إلى النبيّ، ولذلك فإنّ هذا الطريق بالذات هو الصواب.
وهكذا يُصنَع «أصلٌ» من ممارسةٍ نمت محلّيًّا ومن انتقاء مرويّاتٍ بعينها. ويُنسى في ذلك بسهولةٍ أنّ هذا الانتقاء كان هو نفسُه قرارًا بشريًّا، اتُّخِذ في أوضاعٍ تاريخيةٍ معيّنة. وبهذه الخطوة أُخرِج مجالُ الشعائر إخراجًا واسعًا من التأمّل النقدي. فلا «يجوز» للمرء أن يبحثها بحثًا تاريخيًّا، ولا أن يطوّرها، ولا أن يكيّفها مع حاجات الناس وسياقاتهم.
ومن يحاول ذلك رغم ذلك، سرعان ما يُعَدّ ضالًّا، أو يُعَدّ شخصًا يحلّ «الدين» بل يهدمه. والنتيجةُ أعمالٌ شديدةُ الطقوسية بالغةُ الشكلانية. وتتراجع العلاقةُ بين الإنسان والله إلى الخلف. فالمهمّ أن تُؤدَّى الشعيرةُ شكليًّا على نحوٍ «صحيح»، حتى لو بلغ الناسُ بذلك حدودَهم الجسدية والنفسية.
وإذا قرأ المرءُ المصادرَ قراءةً متأنّية، لاحظ كذلك فرقًا بين الممارسة الدينية في مكة وتلك التي في المدينة. فالمدينةُ أشدُّ طابعًا معياريًّا بوضوح، أي إنّ الأمر فيها يتعلّق على نحوٍ أكثرَ تواترًا بقواعدَ ومحظوراتٍ محدّدة. وعند النظر الأدقّ يتبيّن: أنّ كثيرًا من الأحكام المتعلّقة بدم الحيض، وبوضع الحائض، وبالاستثناءات في الشعائر، وباستبعاد أعمالٍ معيّنة، توجد بصورةٍ تكاد تكون متطابقةً في التقاليد اليهودية في المنطقة.
وهذا لا يمكن تجاهلُه تجاهلًا جادًّا. فهو يُظهر مدى ما كانت عليه الجماعةُ الإسلامية المبكرة من حوارٍ مع محيطها الديني، وكيف أخذت وكيّفت وأعادت التركيب. وإذا أخذنا ذلك على محمل الجِدّ، طُرِح السؤالُ عن مدى «أصالة» هذه القواعد فعلًا. أهي وحيٌ خالصٌ بلا تاريخ، أم إنّها أيضًا نتيجةُ تبادلٍ وتلقٍّ وتكيّفٍ مع الأنماط الدينية والاجتماعية آنذاك. وهذا لا يجعل القواعدَ خاطئةً تلقائيًّا، لكنه يحول دون التسرّع في معاملتها بوصفها صورًا متعاليةً على الزمن لا يجوز تغييرُها أبدًا.
الشعائر والتاريخ والسلطة ومثالُ الصوم
وبذلك نصل إلى سؤالٍ نادرًا ما يُطرَح صراحةً في اللاهوت الإسلامي: هل الممارسةُ الإسلامية المبكرة كونيةٌ حقًّا. هل يجب على الناس أن يعبدوا الله في كلّ العصور كما عاشت جماعةٌ بعينها في المدينة في القرن السابع. أم إنّ هذه الصورة كانت صورةً ممكنةً إلى جانب صورٍ أخرى، كانت معقولةً آنذاك، لكنها قد تبدو اليوم بصورةٍ أخرى. وهذا السؤالُ غيرُ مريح، لأنّه يلامس الصورةَ الذاتية لكثيرٍ من الأوساط الدينية.
وتعميمُ التجربة النبوية وممارسةِ الجماعة الأولى على الكون كلِّه أمرٌ حدث بعد النبيّ، لا في أثناء حياته. فلم تُجعَل جماعةٌ محدّدةٌ في المدينة نموذجًا لكلّ العصور إلّا بعد ذلك. وبُعَيد وفاته كانت هناك أصواتٌ ذاتُ تصوّراتٍ أخرى، حاد بعضُها حيدًا جذريًّا. وكثيرٌ من هذه الأصوات أُسكِت مبكّرًا جدًّا في القرن الأول، بعضُه بعنفٍ مباشر. ولا تُذكَر هذه الأصواتُ اليوم إلّا عبر كتابةٍ تاريخيةٍ مشوَّهةٍ تصفها بـ«المرتدّين».
وكان القرنُ الإسلامي الأول بالغَ الوحشية، بحروبٍ أهليةٍ وصراعاتٍ على السلطة، استُخدِمت فيها الحُججُ الدينية استخدامًا سياسيًّا. وقلّما يُتناوَل ذلك اليوم، في الأوساط السنّية على الأقلّ. وبدلًا من ذلك تسيطر في كثيرٍ من الأذهان صورةٌ لاتاريخيةٌ رومانسيةٌ وخطيرةٌ أيضًا عن «الجيل الأول الكامل». مع أنّ هذه الصورة تحجب مدى ما كان لمسائل السلطة من دورٍ في تحديد أيِّ ممارسةٍ ترسّخت بوصفها الممارسةَ «العادية».
وإذا نظرنا في القرآن، تبيّنت صورةٌ أخرى للشعائر. أولًا، يُقال عن تفاصيل الشعائر في الإجمال قليلٌ جدًّا. ثانيًا، تكاد تغيب تمامًا الأوصافُ الدقيقة للحركات أو لتسلسل الأداء أو للأوقات المضبوطة. فثمّة صياغاتٌ عامّةٌ يَرِد فيها ذكرُ الصلاة والصوم، لكنّ الصورَ المحدّدة تُترَك مفتوحة. ولا تظهر هذه التفاصيلُ إلّا لاحقًا في مرويّاتٍ تكاثرت مع الوقت أكثرَ فأكثر، بل يناقض بعضُها بعضًا أحيانًا.
ومنذ القرن الأول للهجرة نجد اختلافاتٍ في الممارسة وفي الروايات عنها. فكلُّ الشعائر تقريبًا، أي صورُها ومعانيها، كانت موضعَ نقاشات. ولم يكن هناك «في البداية» تعليمٌ ثابتٌ صحيحٌ حاد عنه بعضُهم لاحقًا. فمن الناحية التاريخية لم يكن هناك أصلًا تعليمٌ موحَّد في البداية. بل كان في طور النشوء، وكانت أقوالٌ متعدّدةٌ قائمةً جنبًا إلى جنب، وكثيرًا ما لم يُحسَم إلّا لاحقًا أيُّ منظورٍ صار مهيمنًا.
وصورُ الشعائر ومعانيها كما تُعرَف اليوم مطبوعةٌ بقوّةٍ بالدولة الأموية2. فالأمويون كانوا أولَ دولةٍ كبرى بعد الخلفاء «الأربعة». وفي عصرهم استقرّت الشعائرُ وتأويلاتٌ بعينها للشعائر وجُعلت معيارًا. وكان لذلك صلةٌ أيضًا بتأمين الحكم. فمن يحدّد ما هي الصلاة «الصحيحة» أو الصوم «السليم»، يحدّد كذلك مَن يُعَدّ تقيًّا ومَن يُعَدّ خارجًا عن الجماعة. ولا تزال هذه الصلةُ بين الشعيرة والسلطة فاعلةً حتى اليوم.
ويمكن مراقبةُ هذا التطوّر مراقبةً جيّدةً في مثال الصوم. ففي البداية يقف في القرآن قولٌ يُقال بحسب مرويّاتٍ متأخّرةٍ إنّه «منسوخ»، أي مرفوع3. ومع ذلك تظلّ الآيةُ الأقدمُ قائمةً في النصّ. ومضمونُها أنّ للناس الخيارَ بين الصوم وبين إطعام المحتاجين. فيظهر الصومُ والإنفاقُ طريقين ممكنين لأداء الواجب.
ثمّ أعلنت الأغلبيةُ الكبرى من العلماء لاحقًا: أنّ هذا الحكم مرفوع، وأنّه لم يعد يصحّ الآن إلّا الصوم. وأنّ الإنفاق لم يعد بديلًا مكافئًا، بل هو في أحسن الأحوال عملٌ صالحٌ إضافي. وفي الوقت نفسه كانت هناك أصواتٌ أخرى، كابن عباس وتلميذِه عطاء. قالوا: إنّ هذا الموضعَ القرآني ليس منسوخًا، بل لا يزال ساريًا، لكن للناس الذين لا يستطيعون الصوم فقط، كالمسنّين أو المصابين بمرضٍ مزمن. وهكذا نشأ حلٌّ وسط، لم تختفِ فيه الآيةُ، لكنها اختُزِلت إلى حالةٍ خاصّةٍ ضيّقة.
والمثيرُ للاهتمام: أنّ في النصّ القرآني في الحقيقة عكسَ ما صُنِع منه لاحقًا. فالكلامُ فيه عن أناسٍ يستطيعون الصوم ويجوز لهم مع ذلك أن يُنفِقوا بديلًا عنه. أمّا التفاسير المتأخّرة فجعلت منه: أنّ المقصودين هم «الذين لا يستطيعون الصوم» فقط. غير أنّ كلمة «لا» ليست واردةً في النصّ أصلًا. بل تُقرَأ فيه إقحامًا، حتى يلائم الموضعُ إجماعاتٍ وعقائدَ جازمةً متأخّرة.
والمثيرُ ليس النقاشَ الفقهي المفصَّل بقدر ما هو واقعةُ أنّ هذا النقاش كان موجودًا أصلًا، وأنّه ظلّ مفتوحًا عبر أجيال. وهذا يُظهر مدى ما كانت عليه التأويلاتُ في القرون الأولى من مرونة. ولم تبدُ كأنّها كانت واضحةً منذ البداية إلّا بعد ذلك بزمنٍ طويل.
والمهمُّ لسؤالنا اليوم: إذا كانت هناك آنذاك هوامشُ مرونةٍ ونقاشاتٌ مفتوحة، فلماذا ينبغي لنا اليوم أن نتظاهر بأنّ كلَّ هامشٍ قد زال. وإذا كان القرآن نفسُه يلمّح إلى إمكان اختيار، ثمّ ضُيِّق هذا الاختيارُ لاحقًا بالتأويل أو بممارسةٍ تاريخيةٍ محدّدة، وجب أن نسأل: كم ممّا نعرفه اليوم بوصفه «واجبًا» هو نتيجةُ مثل هذه التضييقات. وعلينا أن نعيد التفكيرَ في كيفية تعاملنا مع أناسٍ بالكاد تعود صورٌ معيّنةٌ من الشعائر محتمَلةً لهم، مع أنّهم يأخذون إيمانهم على محمل الجِدّ.
«عدم القدرة» اليوم: الجسد والنفس وعوالم الحياة الحديثة
ومن هنا يُطرَح سؤالٌ يبدو بسيطًا لكنه جوهري: ما الذي يعنيه «عدمُ القدرة» في سياق الصوم وغيرِه من الشعائر. أهو «عدمُ القدرة» مسألةٌ فيزيولوجيةٌ فحسب، أي مسألةُ الجسد. أم إنّ البُعد النفسي جزءٌ منه بالقدر نفسه. فالفقهُ التقليدي بالكاد يعرف العواملَ النفسية، لأنّ علمَ النفس وعلومَ الأعصاب لم تتطوّر تطوّرًا منهجيًّا إلّا منذ القرن العشرين.
ولم يكن لدى علماء العصر المبكر معرفةٌ متخصّصةٌ خاصّةٌ بالاكتئاب، واضطرابات القلق، والاحتراق النفسي، والاختلالات الهرمونية، أو غيرِها من الأعباء النفسية التي تطبَع الحياةَ اليوم. صحيحٌ أنّهم رأوا الألمَ والحزنَ والإرهاق، لكنهم صنّفوا ذلك كلَّه تصنيفًا آخر. وهنا بالذات تكمن مشكلة: فأنظمةُ الأحكام القديمة لا تعكس هذه الوقائع. وإذا طبّقناها على عوالم الحياة المعاصرة تطبيقًا حرفيًّا، تركنا كثيرًا من الناس وحدهم مع تجاربهم.
وقد صارت الشعائرُ في مجرى التاريخ كثيرًا ما تكون غايةً في ذاتها. وأُعلِنت لُبَّ الإيمان. فمن يصلّي «صحيحًا» ويصوم «سليمًا» يُعَدّ مسلمًا صالحًا. ومن لا يقدر على ذلك سرعان ما يُعَدّ ناقصًا. غير أنّ الكتاب الرئيس لـ«الإسلام»، أي القرآن4، يهيمن عليه أمرٌ آخر. فجزءٌ كبيرٌ من السور يدور حول العدالة والرحمة والمسؤولية وحماية الضعفاء والاستقامة الأخلاقية.
وهذه العناصرُ أُزيحت في كثيرٍ من الخطابات، بينما نشأت أقوالٌ مثل: «من لا يصلّي فليس بمسلم». ولم يصُغ أحدٌ في المقابل بالحدّة نفسِها: «من لا يكون رحيمًا فليس بمسلم». ويمكن تتبّعُ هذا الانزياح بوضوحٍ خاصٍّ في العصر الأموي. فقد جرى تضخيمُ شعائرَ بعينها وسجالاتٍ حول الشعائر، كأنّها مركزُ الرسالة النبوية. وهكذا أمكن صرفُ الأنظار عن مسائل العدالة والسلطة والمسؤولية.
وحين يُختزَل المؤمنون إلى صلواتهم وأيام صومهم، قلّ السؤالُ عن الاستغلال والعنف والظلم البنيوي. وفي هذا الضوء يبدو الجوابُ الكلاسيكي عن مسألة الحيض مرّةً أخرى مختلفًا. فسؤالُ «هل يجوز لي أن أصوم في رمضان أثناء الدورة الشهرية لأوفّر على نفسي القضاء؟» لا يلامس مجرّدَ قاعدةٍ تقنية. بل يلامس السؤالَ عمّا إذا كنّا نرى أصلًا أعباءَ المعنيّات ومشاعرَ الخجل وأوضاعَ حياتهنّ.
أم إنّنا نُطلِق الشعائرَ إطلاقًا بحيث يجب على الناس أن يكيّفوا أنفسهم معها، مهما كانت حالُهم جسديًّا ونفسيًّا. ويصبح السؤالُ الحاسمُ عندئذٍ: فماذا عن أولئك الذين لا يقدرون. ماذا عن أناسٍ لم تعد هذه الصورُ تغذّي لديهم الحياةَ الروحية، بل صارت تُثقِلها. أو عن أناسٍ وضعُهم الجسدي والنفسي من الهشاشة بحيث يكون التمسّكُ الصارم بمنظوماتٍ قديمةٍ من القواعد أقربَ إلى إلحاق الضرر.
وردُّ الفعل المعتاد لدى كثيرٍ من العلماء والأوساط التقليدية الجديدة هو: أنّ الناس هم المشكلة، وأنّهم كسالى، ضعيفو الإيمان، وقليلو تقوى الله. وهذا قصورٌ في النظر. فالناسُ مختلفون. يحملون همومًا وصدماتٍ مختلفة، ويعيشون في سياقاتٍ شديدةِ التباين، ويرزحون تحت إكراهاتٍ شديدةِ التباين. و«إسلامُ» العصر المبكر لم يعرف عالمًا معولَمًا، ولا قابليةً دائمةً للوصول، ولا هشاشةً اقتصاديةً بصورتها الراهنة.
لقد غيّرت الحداثةُ الحياةَ تغييرًا جذريًّا. فمجرّدُ الطريقة التي يُنام بها اليوم، منذ وُجِد الضوءُ الصناعي، بالكاد تُقارَن بالقرن السابع. فأوقاتُ العمل، ونظامُ المناوبات، والتعاملُ مع ضوء الشاشات، وسرعةُ الحياة اليومية، كلُّ ذلك يغيّر الجسدَ والنفس. وإذا تظاهرنا بأنّنا نستطيع أن نأخذ أحكامًا من زمنٍ مختلفٍ تمامَ الاختلاف من دون أن نأخذ هذه التغيّرات في الحسبان، فإنّنا نتصرّف تصرّفًا مُهمِلًا. وعندئذٍ تغدو الممارسةُ الدينية بسهولةٍ عبئًا إضافيًّا، لا موردًا.
ولذلك يُطرَح سؤالٌ موجِّهٌ آخر: ما الذي نزوّد به الناس. هل لا تزال تصوّراتُ الشعيرة والواجب مسؤولةً تجاه عوالم الحياة الواقعية. أم إنّ المُدافَع عنه قبل كلّ شيءٍ منظومةٌ تُدافَع لذاتها. وسؤالُ إنستغرام عن الحيض وقضاء الصوم مناسبةٌ ملموسةٌ للتفكير في هذا السؤال الأكبر. إنّه يدعونا إلى أن نعيد ترتيبَ العلاقة بين النصّ والتاريخ والجسد والسلطة، وأن نسأل: كيف يمكن أن يكون لاهوتٌ يأخذ هشاشةَ البشر على محمل الجِدّ، من دون أن يفقد العمقَ الروحي لـ«كوْن المرء مسلمًا».
مَن إلهك، وما معنى ذلك لك؟
بدلًا من أجوبةٍ جاهزة، نحتاج في رأيي إلى أسئلةٍ أخرى. على كلِّ امرئٍ أن يسأل نفسه بصدق: مَن إلهي. مَن أعبد. مَن «أخدم» حقًّا. قد تبدو هذه الأسئلةُ مجرّدة، لكنها هي التي تقرّر كيف تُصنّف خوفَك ومشاعرَ ذنبك وحنينك.
وإذا تخيّلتَ مَن يلقاك في النهاية، حين ينتهي كلُّ شيء، فكيف يبدو هذا الإله، وكيف يكلّمك، وكيف ينظر إليك. أهذا الإله مَن سيعاقبك لأنّك لم تُفلِح في أداء شعائرَ معيّنة، شعائرَ كان أداؤها في أزمنةٍ أخرى أيسرَ بكثيرٍ، جسديًّا واجتماعيًّا، مما هو عليه اليوم. أم إنّ إلهَك «أنت» مختلف. أتستطيع أن تتخيّل إلهًا يعرف حدودك، ويرى تعبَك ووضعَك النفسي وحالَ حياتك، ويعلم كم تجتهد، حتى لو بدت النتيجةُ في الظاهر «غيرَ كاملة».
ومن ذلك عندي تذكير: أنّ جعلَ الشعائر التعبّدية واجباتٍ فقهيةً يُعاقَب على تركها ليس واردًا على هذا النحو في القرآن مثلًا. فالقرآن يتحدّث عن المسؤولية، وعن السُّبُل، وعن دعوة، وعن عواقب، لكنه لا يقدّم الشعائرَ بوصفها قانونَ عقوباتٍ جامدًا. وما يَعنيني علاقةٌ صادقةٌ بإلهك، علاقةٌ صحّيةٌ بإلهك. والأمرُ ليس مجرّدَ ثنائيةِ «إمّا/أو» على قاعدة: إمّا أن تؤدّي كلَّ صورةٍ بدقّةٍ تامّة، وإمّا أن تكون هالكًا.
والتصوّرُ غيرُ المُعلَن كثيرًا ما يكون: أنّي إن لم أمارس الأمورَ كما حدّدها وصاغها أناسٌ في القرن السابع والثامن، فإنّ الله غاضبٌ عليّ. وهؤلاء الناسُ مُثِّلوا لاحقًا تمثيلًا مثاليًّا، كأنّهم قُدواتٌ لا تخطئ. غير أنّهم من الناحية التاريخية كانوا متناقضين مثلَنا تمامًا، لهم مصالحُهم ومناطقُ عماهم وحدودُهم. وإن لم «أخدم» الله كما اشترط هؤلاء الناس، فإنّ «الإله الطيّب» سيرفضني. وهذا التصوّرُ بالذات هو في نظري العقدةُ التي ينبغي تفكيكُها.
انظر في أعماق نفسك، وانظر في لانهائية العالَم. ثمّ اسأل نفسك بصدق: مَن هو إلهي أصلًا. فإن كنتَ تؤمن حقًّا بأنّ الله قد يُبقيك من أجل أمورٍ كهذه في النار أبدًا في «وضع الشَّيّ»، فمن المتّسق عندئذٍ أن تُصغي إصغاءً صارمًا إلى ما قاله الفقهاءُ القدامى، وأن تطبّق كلَّ شيءٍ بأدقِّ ما يمكن. فأنت تتبع عندئذٍ صورةً عن الله مطبوعةً قبل كلّ شيءٍ بالخوف والعقاب.
أمّا إن كنتَ لا تؤمن بأنّ إلهك هكذا، إن كنتَ تؤمن بأنّ الشعائر فرصٌ للاقتراب من الله، وأنّها يمكن أن تكون جزءًا إيجابيًّا من حياتك اليومية ومن روحانيّتك، فإنّ فعلَك يتغيّر. عندئذٍ ستتصرّف على النحو الذي تراه متّسقًا وصادقًا بالنسبة إليك، لا على النحو الذي يراه آخرون «صحيحًا» لك وحسب. وستحرص على أن تكون صادقًا أمام الله، وأن تعترف بحدودك، وأن تأخذ حنينك على محمل الجِدّ.
وفي هذا الموقف لا تكون ممارستُك هربًا من التقليد، بل صورةً ناضجةً من الدخول معه في علاقة. وجوابُك عن سؤال «مَن إلهي؟» يُسهِم في تحديد كيفية تعاملك مع الصوم والصلاة والحيض وقضاء الصوم وكثيرٍ من الموضوعات الأخرى، وما إذا كان تديّنُك يجعلك أقربَ إلى الصِّغَر والخوف، أم إنّه يقوّيك ويعينك على أن تقف منتصبًا صادقًا أمام الله وأمام نفسك.
Footnotes
-
المقصود بالهجرة انتقالُ النبيّ من مكة إلى المدينة سنة 622، وهي تمثّل بدايةَ التقويم الإسلامي. ↩
-
الدولة الأموية كانت أولَ دولةٍ إسلاميةٍ كبرى (661–750)، مركزُها دمشق، وقد طبَعت الممارسةَ الفقهية والشعائرية المبكرة طبعًا قويًّا. ↩
-
المقصود بالنسخ التصوّرُ القائل بأنّ آيةً منزَّلةً لاحقةً ترفع حكمًا أسبقَ رفعًا كلّيًّا أو جزئيًّا. ↩
-
يُعَدّ القرآن في كثيرٍ من التقاليد أهمَّ مصدرٍ نصّيٍّ لـ«الإسلام»، إلى جانب مدوّناتٍ نصّيةٍ أخرى كمجموعات الحديث. ↩